الاثنين، 9 أغسطس 2010

آية الله العظمى .. قراءة في دلالات اللقب


مُهنّد يعقوب

الشيخ مرتضى الانصاري
تشيرمقالة الكاتب صلاح نيّوف " الله في إيران " المنشورة على شبكة الانترنيت الى ظهور لقب " آية الله العظمى " مع الشيخ الانصاري 1214 هـ . الا انه من الصعب تحديد المناسبة الطبيعية التي من خلالها تمت صياغته واستخدامه لدى رجالات الدين وتحديداً الذين ينتمون الى المذهب الامامي الجعفري ممن حصل منهم على درجة الاجتهاد , بطريقة لا تخلو من لغط وضبابية وانعدام المعايير العلمية المعمول بها في المراكز والمؤسسات العلمية والتربوية الاكاديمية في العالم كما هو معروف . ولا يعدم هذا الامر قيمة المنجزات الفكرية والفلسفية التي قدمها بعض هؤلاء الرجال على مرّ التاريخ سواء المتصلة بالمعرفة العملية او المعرفة الدينية واللاهوتية . لكن يبقى الجانب الاجرائي والمناسبة التي يُمنح من خلالها لقب " آية الله العظمى " تشوبها الاوصاف التي ذكرناها لاسباب تتعلق بطبيعة المقاصد والظروف التي تساعد على اكتساب هذا اللقب والاندراج تحته كوظيفة اعتبارية , وما له من أهمية في اعطاء دور ومكانة دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية مريبة. وما يثير هنا ليس فقط هذا الجانب من التسمية وانما طبيعة اللقب نفسه والاثر السايكولوجي الذي يستبطنه ويمنحه قوة وتأثير خارقين على مستهلكي الفكر الديني واللاهوتي.

مهما كانت الاسباب التي من خلالها تمت صياغة هذا اللقب واستخدامه يبقى أثره النفسي على الجمهور من أجل تحقيق الطاعة والانقياد الاعمى احد أهم الاهداف التي سعى الى تحقيقها المنضوون تحت ذات اللقب , لقابليته على التأثير كجرس يرتبط بالسماء بالدرجة الاولى وقدرته للاستحواذ على قلوب وعقول وحياة الناس بسبب الطاقة السلبية والرهبة اللذين يمنحهما هذا الاستخدام من خلال استعادة مفهوم الله مادياً وبصرياً برجل الدين بوصفه ممثلاً عن الله ووسيطاً بينه وبين الناس في ترتيب وتنظيم حياتهم اليومية بل وحتى تنظيم وترتيب موتهم والطريقة المثلى التي يختفون بها من الحياة !.

قد ترتبط بعض الالقاب التي وقف خلفها رجال الدين من قبيل " حجة الله , حجة المسلمين , ثقة الاسلام , ثقة الله " الى آخره من الالقاب الدينية العشوائية بجانب أخلاقي وايماني معين , و لكن تبقى ماركة " آية الله العظمى " كإشارة هي أقصى درجات النرجسية والمبالغة لدى مجموعة آيات الله , وأكثرها بعداً عن الزهد والتواضع الذي ينبغي ان يتحلى بهما رجال الدين قبل غيرهم من بين فئات المجتمع. وليس من المغالاة في شيء فيما اذا حاولنا حصر الدور الذي تلعبه هذه المغامرة المدروسة بعناية في صياغة اللقب لتحقيق مقاصد ترتبط بالهيمنة والزعامة بكل مستوياتها واشكالها داخل حلقة مضغوطة كحلقة رجال الدين بمجمل انتماءاتهم المذهبية والدينية . ولو تتبعنا بعض الالقاب والكُنى التي أرتبطت بالانبياء مثلاً سوف لن نعثر على هذا الاستخدام المثير للريبة والاستهجان. فمحمد مثلاً لم يُكنى بأكثر من أبي القاسم , او أبي ابراهيم وفي الخطابات الرسمية كان ُيلقب نفسه بمحمد رسول الله , ولن تجد ما يثير الاستغراب في طبيعة هذه الشخصية المتواضعة , رغم ان طبيعة مهامه الوظيفية الخاصة تفرض عليه اجراءات عدة من قبيل تأصيل البعد الترغيبي والترهيبي للتأثير على المخاطبين بالديانة الجديدة لكسب ولائهم وتأييدهم , ومع ذلك لم يظهر بصيغة خارج الصيغة الانسانية والطبيعية المباشرة المتصلة بشخصة واسمه , وان كان مكتفياً ومدعوماً بالدرجة الاساس بمنجز ثقافي وديني كخطاب شفاهي يغلب عليه الطابع الاستفهامي والاسطوري في بعض المناسبات .وكذلك بالنسبة لثقافة الكُنية واللقب لدى العرب لم تكن مرتبطة بتحقيق مقاصد سياسية ودينية واقتصادية الهدف منها تشييد امبراطورية مالية وبيروقراطية دينية كالتي يسعى لتحقيقها رجال الدين من خلال القاب سحرية كهذه .

كان العرب وبقية المجتمعات الانسانية خارج الجزيرة العربية لديهم ثقافة الكنية او اللقب على السواء وكل هذه الاستخدامات لم تخرج عن سياقها الانساني والاجتماعي المرتبط بحياة الناس العفوية , ولا يتعدى الامر لديهم أبعد من كونه نشاطاً ثقافياً وانسانياً واجتماعياً خالصاً. فكان الشخص يُكنى او يُلقب لاعتبارت كثيرة منها على سبيل المثال الصفة الجسدية كالطويل , والقصير, والجاحظ , والاعشى , والاخفش, والمكانه الاجتماعية والاسرية بين الناس, وكذلك حسب المهن والاعمال التي يجيدونها كالحدّاد , والنجّار, والورّاق , او حسب البعد المناطقي والجغرافي والعرقي , كالبصري والبغدادي والنجفي , والعربي والتركي والفارسي .. الخ , ولا يختلف الامر بالنسبة للحيوانات والامكنة والنجوم والكواكب وبعض الحالات الاجتماعية كما في أم سمحة كناية عن العنزة , وأم القرى كناية لمكة , وأم شملة للشمس , وأم ليلى للخمر, وأبو موسى للجوع وهكذا . ولم نر هذه القصديات المشبوهة المتوارية خلف لقب " آية الله العظمى " بتراكيبه اللغوية السحرية المبالغ فيها داخل النسق الثقافي لدى المجمتعات الانسانية. وبالتالي فالعملية تنطوي على اشارات خارج سياق النسق الاجتماعي والثقافي التي عليها استخدامات الكُنى والالقاب عموماً . 
فيما  لو حاولنا تعقب البناء الدلالي لصيغة " آية الله العظمى " سنعثر على الكثير من التجاوزات على المستوى الحِرَفي والمهني , وكذلك الكثير من التجاوزات على مستوى الذوق والامانة . فمفردة " آية " تدل على معنى المعجزة والخرق للنظام الطبيعي والفيزيقي , وتدل ايضاً على الصيغة التي تصدر بها القرآن فيما بعد كطقطيع جملي كل مجموعة آيات تندرج ضمن سورة كما عليه الشكل الحالي للقرآن , ولم نعثر على مناسبة مهنية او موضوعية تبيح انزياح مفهوم الآية من استخدامها الاصطلاحي واللغوي في المعاجم الى لقب لمجموعة من الاشخاص جُل حسناتهم انهم أناس ذو سلوكيات واشكال وزي خاص يشتغلون على تفسير وتحليل الخطاب الديني , والذي يمكن ان يشترك به معهم اي باحث ودارس ومهتم بهذا الحقل خارج سلسلة الالقاب والتمييز الطبقي والادمي. وعموم الممارسة كلها لا تتطابق مع طبيعة اللقب بدلالته العالية والمنفتلة عن اي معيار مهني وأكاديمي محدد وثابت مثلما هو الامر بالنسبة لبقية الالقاب العلمية كما في لقب طبيب الذي يندرج تحته شخص مهني متخصص في معالجة الانسان وقت حصول مشاكل صحية تعترضه , وهكذا الحال مع المهندس والمحامي والفيزيائي وغيره .

تندرج هذه الالقاب العلمية المتفق عليها عالمياً تحت مهنة ذات خصوصية محددة وواضحة ومطابقة للقب ، ولا توجد مناسبة لان يندرج متخصص العلوم الدينية بعد سلسة من المراتب العشوائية غير المنضبطة لكي يصل الى رتبة الاجتهاد تحت لقب" آية الله العظمى " ؟ وحتى لو توقفنا عند معنى مفردة " الآية " التي يمكن ان تشير للانسان بشكل عام والتي تدل على معنى الحجة او البرهان , لكن قيد " الله " و" عظمى " لا يترك لنا متسعاً للتأويل ، فهو أي رجل الدين المجتهد ليس آية عادية , بل آية الهية وعظمى ايضاً, مما لا يفسح المجال أمامنا لخيار آخر غير حصر صناعة اللقب ودلالته في سياق طبقي ولاهوتي يشترك مع الطبيعة المتعالية لفكرة الله نفسها والتي رشحها لنا رجل الدين من خلال اسماء الله الحسنى والاشتغال الكلامي والفلسفي حولها. فهل هناك فرصة لان يخلِّص رجل الدين المجتهد نفسه من هذا الاستدعاء الخطير لمفهوم الله مادياً وبصرياً لاختياره هذا اللقب وسعيه لان يساوي الله في حضوره المقدس والمهيب عند المؤمنين فيه ؟!.

من الصعب في مكان ايجاد مناسبة لغوية او اصطلاحية يمكن ان نضبط من خلالها هذا اللقب وطريقة استخدامه لدى هذه الشريحة من الناس بالاعتماد على طبيعة الاشتغال الفكري والمجال الذي يعملون عليه , لوجود مفارقات كثيرة على مستوى طبيعة التخصص واختلافه جذرياً عن مجال استخدام اللقب نفسه. فالعملية بالنهاية لا تخرج عن كونها أغنية بلحن نشاز الهدف منها استغلال النِسب العالية لتوفر الله في اللقب نفسه والمشحون فيه للتأثير على الناس وكسب ولائهم وطاعتهم بطرق خارج السياق المألوف الذي ينبغي ان يكون عليه الايمان نفسه , سواء كان ايماناً بالله او بتشريعاته السماوية التي ليس منها الايمان بنائب عنه في أمور الدنيا والآخرة متمثلاً برجل الدين بوصفه سمكرياً لحياة الآخرين حال تعرضت هذه الحياة لحوادث تنفيها او تسبب لها بعض الكدمات, ولكأن الناس قد خسروا حياتهم منذ البدء فما على هذا الرجل السوبرلاهوت الا ان ينقذها بطرق ابرزها صناعة لقب يصعب على الناس مقاومته لانه يرتبط بطبيعة وجودهم المعدة سلفاً من الناحية الدينية والاجتماعية , ويرتبط كذلك بعامل يعد أبرز العوامل المهمة التي يحقق من خلالها الانسان عموماً ايمانه بدينه ومذهبه وعقائده الروحانية, والذي عبر عنه الشيخ الغزالي بالعامل " الجوّاني ". فالناس مرتبطة بالله والعقائد المتصلة به من خلال هذا البعد السايكولوجي الهش وليس ارتباطاً وفق مبدأ الشك والتحليل والمقارنة , ورجالات الدين يعون تماماً ما لهذا البعد من أثر بالغ الاهمية على الناس من حيث مطاوعتهم وقبولهم وتسليمهم للخطاب الذي تنتجه المؤسسة الدينية نفسها والمكانة التي تضع فيها رجالاتها بتصنيفات ومسميات والقاب متعددة , تصل لحد المبالغة والتضخيم المباشرين , ولم تكتف بذلك بل استحدثت وظائفاً مهامها انتاج خطاب آخر غير الخطاب الرسمي , يغلب عليه الانفعال ويعتمد تلحين البعد العقائدي والكلامي من خلال ما يسمى بالرواديد والشعراء الشعبيين , فينتقل علم الكلام مثلاً من مكانته الفلسفية الى فضاءالتداول المحكي البسيط والساذج والمشوه كما حصل ذلك بالنسبة للمناسبات الدينية والتي منها حادثة كربلاء والبعد التراجيدي الذي صيغت به وكيف تم الدفع بها الى مستوى التلحين والتداول المحلي والشعبي لحد ان اصبحت لدينا نسخاً مشوهة لله والدين والشخصيات والالقاب والمناسبات , الهدف منها في النهاية تحقيق زعامة وسيادة دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية وهيمنة على عقول وقلوب الناس المأخوذين بالدين والعقائد والالقاب كأغنية مزيفة ولحن نشازعلى حساب الحقيقة الانسانية المرنة والسهلة لمعنى الدين والحياة وما يرتبط بهما, وبالتالي يجب العمل على تخليص الله من المتمسكين به بلقب لا يرقى الى مستوى التمثيل والاستعمال الامينين.


الأربعاء، 17 مارس 2010

فيلم الرحيل الياباني .. إحتفاء بالموت والحجارة

مُهنَّد يعقوب

يرى بعض الفلاسفة الوجوديين " ان ما يرعب ليس الموت ذاته وانما فكرة الموت " وهو الحقيقة غير القابلة للتسويف أوالافتراض من حيث وجودها وحضورها الاكيد كفصل قريب كما يعبر المناطقة يخص الكائن الحي ويرتبط به منذ البدء ارتباطاً لازماً بالمعنى المنطقي لمفهوم اللازم , الا ان الموقف من هذه الحقيقة الساطعة كفهم وتعايش وتفسير وفشل في السيطرة عليها والتحكم بها , جعلها فكرة مقلقة ومخيفة بالنسبة للانسان على مر العصورابتداء من الانسان الاول مروراً بكلكامش وانكيدو وانتهاء بعصرنا هذا وما سيليه , لانها وحسب التصورات الفلسفية المادية تعني الفقد النهائي والذهاب الى اللاشيء أو تساوي العدم , بل هي فكرة مرعبة ايضاً حتى بالنسبة للتصورات الميثلوجية والدينية القديمة رغم تأكيد هذه الفلسفات الدينية والميثلوجية على تفسير معنى الموت كامتداد للحياة بحضورأكثر كثافة وسطوع وطمئنة أو امتداد لعوالم أخرى ممكنة تقع بين عالم الموت وعالم الحياة وهي عوالم لا تختلف تعقيداً وغموضاً عن عالم الموت نفسه , لكن في النهاية يبقى الخوف والرفض هو المسيطر الوحيد على الانسان في مواجهة حقيقة كهذه . وفي ظل هذا الاحتدام المادي والغيبي التأويلي والفلسفي لمعنى الموت تبرز من بين تلك المناطق المعرفية منطقة جمالية ومعرفية أخرى للاقامة في هذا الموضوع شرحاً واقترحاً له من زوايا متعددة , ترتبط بماهيته أو التلميح لها بعناصرغير مباشرة أو التقاط ما يمت لفكرة الموت بصلة وثيقة تترك أثرها في ايضاح هذا المعنى وكشفه , وكيف يمكن النظر له كفكرة مجردة من جهة ومن جهة أخرى تفسير الموقف وردت الفعل منه انسانياً ومجتمعياً , ومن الانسان الذي يسقط عليه الموت وكيف تصبح هويته ميتاً وطعمه في رأي العام والخاص بين الناس والمجتمع , ورايهم كذلك حول المهن المرتبطة بالموت والموتى كالتكفين والتطهير وما الى ذلك , حيث تقدم لنا السينما العالمية اقتراحات متعددة حول اعادة تأهيل الانسان للتصالح والتعايش مع الافكار القهرية والقاسية كفكرة الموت وكيفية صناعة الهدوء الداخلي في استقبال حتمية من هذا النوع وافراغ مستوى الرعب الشديد فيها وتخفيف حدته على نفس الانسان وحياته , مع ان اقتراح من هذا النوع ليس جديداً على الانسان فهو مخاطب بهذه الحقيقة الحتمية على الدوام سواء تناولتها السينما او تناولتها مناطق معرفية أخرى كالفلسفة واللاهوت او الميثلوجيا والشعر وغيرها من المغامرات المعرفية والجمالية التي تبحث في القضايا المهمة والجوهرية المتصلة بحياة الانسان , لكن تتفرد السينما كونها صورة وحركة وفي هذين العنصرين مكانة توصيلية كثيفة وعميقة تتجاوز اللغة لوحدها بوصفها علامة أواشتغالاً مهما كان عميقاً يكون في اطار ساكن , والفرق بينهما هو كالفرق بين ان يتعلم الانسان من الطبيعة والحركة وبين ان يتعلم من اللغة كتوصيل وتلقي . ونحن هنا لا نريد تغليب جانب على آخر من حيث الاهمية في الرتبة بين السينما وبقية الحقول المعرفية والجمالية بشكل اعتباطي وانما اعطاء ما للسينما من امكانات سهلة ومتعددة على التوصيل تفوق بقية الاشتغالات , وامكانية التوصيل لها أثرها في تحقيق مقاصد خاصة وأعني بالمقاصد الخاصة تصوير ما ليس بمرئي ومكشوف بالمقارنة والتشبيه والتقريب بالاثر المادي بصرياً , والانسان في الحقيقة بحاجة ماسة الى ان يمتلك تصوراً فيزيقياً معيناً حول كل شيء حتى وان كان زائفاً أو غيبياً كحقيقة أو فرضية القيامة والجنة والجحيم وحول ما يمكن حدوثه من رعب وكوارث غير متوقعة لا نملك معرفة كافية عنها , فالصورة والحركة لا تمنع وقوع المخيف ولا تؤجله وانما تخفف حدته على المخاطب به وتمتص رعب الحدث القاسي والمفاجئ بقوة وتأثير أكبر, والسينما تتميز بهذا كله كما انها تشترك وتتفاعل مع الاجناس الابداعية والجمالية ذات التوصيل بالكتابة واللغة في عموم الافكار .
يأتي الفيلم الياباني " الرحيل " 2008 ضمن سلسلة افلام تناولت موضوع الموت والموتى وما يرتبط بهم من طقوس وممارسات انسانية ودينية متنوعة , وهو من اخراج " يوجيرو تاكيتا " بطولة الممثل الجميل " ماساهيرو موتوكي " ديجو كوباياشي عازف آلة التشيلو و " رايكو هيروسو " ميكا زوجته , حاز الفيلم الذي كتبه " كوندو كوياما " على الاوسكار عام 2009 كأفضل فيلم بلغة أجنبية , يتميزهذا الفيلم بالاسلوب الواضح والمباشر في تحويل واحدة من أكثر الأفكار خوفاً ورفضاً الى فكرة انسانية شعرية محببة وبسيطة كفكرة الموت وما يرتبط بها من مهن هي في نظر أغلب المجتمعات الانسانية مهن محتقرة وأصحابها محتقرون لانها ترتبط بالدوني والوضيع حسب اعتقاداتهم الدينية ومورثهم الاجتماعي ووعيهم حول الطبقات , واشتغال من هذا النوع يتطلب حرفية ومهنية فنية عالية يقول فان كوخ في رسالته الاخيرة لاخيه ثيو " للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا تجدها في الاشياء الجميلة وعين الفنان لا تخطئ ذلك " والرحيل قدم لنا انزياحاً جمالياً مبهراً في تناول موضوع الموت من خلال مهنة التكفين التي كان يمارسها ديجو ورئيسه في العمل باناقة وشعرية فائقة جعلت ذوي الراحلين يشعرون بالرضا والتصالح أكثر مع الموت بعد ان كانت هذه الفكرة عند الاحياء بمثابة الاهانة وهي تحصد أرواح المقربين منهم ومحبيهم , وفي هذه الثيمة داخل الفيلم تعزيز لفكرة جوهرية تخص طعم وهوية الانسان ميتاً , فالموت عندما يقع على شخص ما يسلبه عنصرالصراع والمنافسة المتوفرة على مستوى الحياة بين الافراد والجماعات , والمنافسة بالمعنى الانساني والحياتي تتجاذبها صفات انسانية ايجابية عميقة وقد تتجاذبها صفات سلبية كثيرة نراها في حياتنا اليومية ربما تصل هذه المنافسة السلبية لان تتخذ اشكالاً وسلوكيات متعددة كالقتل والنبذ والاحتقار والكره , وفي الموت خروج الانسان من لعبة الحياة والمنافسة بين الاحياء الى عالم آخر يمنحه هذا العالم صفة ومكانه مختلفة تحددها طبيعة الوجع والشعور العميق بالفقد وكأنه يستنهض مشاعر مؤجلة او مطمورة لدى الاحياء لم تكن مستيقظة لديهم في حالة حضوره حياً , تسقط معها جميع الاعتبارات السيئة التي اكتسبها الجميع في لعبة الحياة , وفي هوية وطعم الانسان ميتاً فكرة أخرى مضمرة تكشفها ايضاً مشاعر الشفقة والوجع والفقد التي تستعمر أنفس الاحياء اتجاه الراحلين وهي الاعتقاد أو الوهم السائد ان من يقع عليه الموت يصبح خارج الحيز النظيف باعتبار الحياة هي اشرف العوالم الممكنة ويترتب على ذلك ان تكون منطقة الموت منطقة فاسدة تتطلب التطهير مجرد وقوع الموت نفسه , لكن الفيلم يعكس هذا التصور ويعد فكرة التطهير من الحياة وليس من الموت لاستقبال عالم آخر يتطلب التنقية من عالم يسبقه اي الحياة ذاتها , فالتكفين والتطير للميت من الحياة وليس من الموت , وكما عبر مدير شركة ان كي للتكفين داخل الفيلم " يرمز التطهير للتخلص من عناء هذا العالم وآلامه وشهواته ويرمز ايضاً للاستحمام الاول لولادة جديدة " وفي هذا الاشتغال التأويلي معنى عميق لفكرة طالما أثارت جدلاً فلسفياً وجودياً ودينياً واخلاقياً على مر التاريخ يخلص منها ليس بالضرورة من يستند الى مقولات دينية وعقائدية مقدسة وانما من يمنح الفكرة معنى جمالياً وانسانياً يتسم بالسلم والمحبة والتسامح والموضوعية .

يحتوي فيلم الرحيل على انسجام وتناغم شعري مدروس بعناية فنية فائقة ومتداخلة ليس من جانب الاسلوب فقط وجمالية الصورة وانما من جانب العلاقات البسيطة والكثيفة بين المهن والاعمال والحياة الانسانية خارج العمل , حيث لم تختلف شعرية وجمال آلة التشيلو عن شعرية وأناقة مهنة التكفين وعن شعرية الحجر في لقطة الرسائل الحجرية أو حجر المشاعر, فكانت هذه اليوميات الانسانية والحياتية المتجسدة بشخصية ديجو متوحدة ومنسحمة ككل خارج من خلية واحدة مع انها قد تبدو للوهلة الاولى ذات فصول مختلفة ومتغايرة من حيث الطبيعة والدور لكنها ليست كذلك , فبعد ان أعلن مدير الاوركسترا التي كان يعمل فيها ديجو كوباياشي في طوكيو فصل الاعضاء انتابه شك ان يكون حلمه يتحقق مع آلة التشيلو كعازف محترف في تلك الاوركسترا مثلما كان يرغب والده بذلك منذ ان كان صبياً , وهذه الحادثة جعلت حلمه يتحول الى كابوس خصوصاً ان عليه ديون كثيرة متعلقة بشرائه تلك الآلة بثمن ليس بسيطاً وكذلك جعلته يخاطب نفسه بكثير من عدم الرضا والتوبيخ " هذه الكمنجة لا ذنب لها والسبب ان من اشتراها هو شخص فاشل مثلي فقد خسرت وظيفتها " يقرر بعد حادثة فصله من الاوركسترا بيع الكمنجة والعودة الى المنزل الذي تركته له والدته بعد وفاتها في ريف ياماغاتا " اعتقد انها كانت أكبر نقطة تحول في حياتي ولكن لسبب ما فقد شعرت براحة في اللحظة التي تركت فيها الكمنجة , وكأنه قد اطلق صراحي فجأة بعد ان كنت مربوطاً , ما كنت اعتقد انه حلمي .. ربما لم يكن حلمي الحقيقي " الا ان الكمنجة لم تتوقف عن الحضور بعد هذا الجزء الدرامي ولم يلغ دورها عمله الغريب والجديد في قريته الام ياماغاتا كموظف في شركة تكفين الموتى بل عثر على نفسه فناناً حقيقياً خارج تلمسه الاعمى قبل حصوله على هذا العمل , والمخرج أعتمد بموهبة فذة تضمين فكرة مفادها ان بعض التجارب الحياتية خاصة يتوقف عليها رسم ما عليه الانسان من خطأ أو صواب حول طبيعة وجوده في الحياة وتحقيق مقاصده وطموحاته الانسانية المشروعة , فبعض التجارب ان لم نمر بها تصاب حياتنا بالتلف الكامل بما فيها التجارب السابقة التي نعتقد انها تساوي طموحنا في الحياة , وهذه التجارب الخاصة لا تُصلِح فقط حياتنا من تاريخ وقوعنا في هذه التجربة وانما تُصلِح ما مضى منها ايضاً , والصدفة الذكية التي قادت ديجو لان يعمل في شركة لتكفين الموتى عن طريق اعلان في صحيفة بالخطأ قادته في الحقيقة الى الخريطة الحقيقية لذاته وطريقة عملها بالشكل الانساني المختلف اهلت لديه ما فسد من حياته للاصلاح كعلاقته بوالده المضطربة مثلاً وتصحيحها اوعلاقته بآلة الكمنجة والحياة عموما الى القبول واعادة النظر بها بشكل مختلف , وفي لقطة الحجرالكبيرالذي اخرجه من الكمنجة التي كان قد اشتراها له ابوه ايام كان صبياً استذكار لموقف الاب المتخاذل اتجاه ابنه كما يعتقد ديجو , وتظل لقطة الرسائل الحجرية تتكرر في متواليات الفيلم البسيطة والشعرية بدلالتها الرمزية والانسانية العميقة كترابط ومشاعر حسب حجم الحجر وملمسه كما في مشهد مخاطبته لزوجته ميكا بعد ان قدم لها حجراً صغيراً أملساً " في العصور القديمة وقبل ان يخترع البشر الكتابة كانوا يبحثون عن الاحجار التي تمثل مشاعرهم ثم يعطونها لشخص آخر, والشخص الذي يحصل على هذا الحجر يقرأ مشاعر الشخص الآخر عن طريق وزنها وملمسها , مثلاً الملمس الناعم يرمز للروح المسالمة والملمس الخشن يرمز للاهتمام بالآخرين " وهكذا حتى في اللقطة الاخيرة من الفيلم اثناء قيامه بتكفين والده وجد حجراً صغيراً أملساً بين يديه أسعف في نفسه صورة الاب الغائب عنه لسنوات طويلة , تاركاً لنفسه تحري مكامن الفقد والوجع كما لو انه للتو قد انفصل عن أبيه , وعمله الاخير يُعد تجربة كان لابد ان يمر بها ديجو لاهميتها في ترتيب حياته الماضية واللاحقة وكأن هذا العمل هو ارتباط واستعادة لمكانة الكمنجة في نفسه واستعادة لصورة الاب الذي تركه وأمه وهو في سن السادسة من عمره من أجل امرأة أخرى , فكانت هذه التجارب المتوالية والمتداخلة في حياته كل واحدة تفضي الى الأخرى ومشتقه منها وتقيها من الفشل والانهيار, وعمله في التكفين يعد التجربة الاهم في تحقيق هذا التداخل مع بقية التجارب واصلاحها رغم ان عمله هذا وضعه في مواجهة تحديات صعبة امام نفسه في البداية وزوجته والمجتمع في رفضه لمهنة محتقرة لديهم وصل لحد ان هجرته ميكا بعد ان وصفته بالقذر في حوارها معه اثناء اكتشاف أمرمهنته الجديدة وكذللك موقف صديقه الموظف الحكومي السلبي كان للسبب نفسه بل وصل الامر في واحدة من اللقطات المثيرة اعتباره شخصا يعمل في هذا المجال للتكفيرعن ذنب عظيم اقترفه في حياته , الا ان ديجو تلمس ما لهذا العمل من مكانة وقوة تأثيرعلى حياته الشخصية جعلته مدركاً على ماذا ينطوي معنى عمله الانساني في الحياة وانعكاساته الايجابية على مستقبله , وقد ساعده في ادراك هذا المعنى ايضاً رئيسه في العمل ذلك الشخص التأملي الهادئ والرصين الذي يشتغل بقوة الحدوسات كما وصفته الموظفة التي تعمل لديه في مكتب الشركة وكإن عمله في تكفين الموتى أكسبه حكمة ووقاراً فائقاً مثلما اكسبت هذه الفكرة الفيلم مكانة فنية مرموقة في تناول موضوع جوهري وانساني كبير كهذا بتقنية واسلوب وتوصيل وذائقة شعرية مبهرة استحق من خلالها ان يكون أحد الاعمال السينمائية العالمية بامتياز.



العودة الى التوازن .. قراءة في موت رامون سامبيدرو

مهند يعقوب

تُعد فكرة الموت الرحيم او موت الاشفاق من الافكار التي اثارت جدلاً قانونياً وأخلاقياً ودينياً عميقاً على مرالتاريخ , تعامل معها الانسان الاول تعاملاً ينسجم مع طبيعة الذرائع الاخلاقية التي تحددها روح ذلك العصر, فكان يشفق على الافراد الذين يعانون من تشويهات وأمراض مستديمة بقتلهم انهاءً لمعاناتهم او خشية من اعاقة الجماعة التي ينتمي اليها هؤلاء الافراد عن الحركة والتنقل حسب ظروف معيشتهم , وكذلك مع الذين تستوطنهم أمراض معدية وخطيرة وغيرها من الحالات التي يستوجب فيها التعامل مع هكذا قضايا اخلاقية , تعرقل نمو وتكاثر المجتمعات الانسانية وتنقلاتها , منذ ذلك الحين ولحد اللحظة ظل الموضوع مثار اهتمام وسجال دائم . رغم التحولات المهمة التي طالت فلسفة الاخلاق والقانون والتشريعات الدينية والرؤية للحياة عموماً واختلافها من عصر الى آخر, الا انها بقيت على طبيعة قانونية وتشريعية وأخلاقية واحدة في عصرنا هذا , باستثناء بعض الدول وفي مقدمتها هولندا وبلجيكا التي أبدت مؤخراً مرونة قانونية في التعامل مع موضوعة انسانية وأخلاقية بالغة الحساسية كهذه . وما يثيرنا هنا ليس الفكرة وحدها وما أحدثته من سلوك ومواقف متابينه حيالها تاريخياً , وانما الذي يثيرنا اكثر هو الاسلوب والطريقة التي يتم فيها طرح الموضوع وقوة المبررات وتنوعها , وأعني تحديداً طاقة تناول السينما لهكذا موضوع من خلال عناصرها المتعددة والمكثفة التي لا تقل فيها الصورة والممثل والموسيقى أهمية وجمال عن اللغة شفاهية كانت أم مدونة , وهو ما يجعل الميل الى السينما وهي تتعرض لافكار انسانية وفلسفية عالية , أكثر اغراءً ومتابعة من مناطق ابداعية وجمالية أخرى نقداً ومشاهدة على السواء .


يضعنا الفيلم الاسباني " البحر في الداخل " 2004 الحائز على الاوسكار عام 2005 كأفضل فيلم بلغة اجنبية , بطولة النجم " خافيير بارديم " بمواجهة فكرة من هذا النوع , وهو الفيلم الرابع للمخرج المبدع " اليخاندرو آمينابار" بعد افلامه الثلاثة , الاطروحة او الرسالة في عام 1996 , وافتح عينيك عام 1997 , والآخرون في عام 2001 , والمتابع لاعمال هذا المخرج السينمائية يرى انه يشترك في بعض افلامه بوضع الموسيقى لها او كتابة السيناريو, كما في " البحر في الداخل " حيث كتب السيناريو بالاشتراك مع " ماتيو جيل " , وهو نص سينمائي بسيط وكثيف أبرز ما يميزه الشعر والايحاء والجدل والتخيل , يحتل فيه الموت والحب والعاطفة الانسانية مكانة مهمة كموضوعات انسانية كبيرة ومجردة - كما سنتناوله لاحقاً من دون الدخول في تفاصيل الفيلم كاحداث متوالية - ولا تقل شعرية الصورة كحركة أهمية جمالية عن شعرية السيناريو والحوارات , حيث يكاد يكون محل اقامة الكاميرا غرفة رامون سامبيدرو" خافيير بارديم " وتحديداً وجهه باعتباره المركزية في الفيلم وهو ما تطلب جهداً فنياً وجمالياً رائعاً منه في اعطاء الدور الذي يقوم بتمثيله كفاءة عالية , لانعدام الخيارات لديه في استخدام جسده واطرافه في تمثيل شخصية مشلولة الجسد والاطراف , فكان لابد من ان يحقق استرخاءً كاملاً كما عبر هو في حوار مع الـ بي بي سي , لجعل ملامح وجهه وتعبيراته مطاوعة لتأدية مثل هكذا دور, ولم يتأخر" بارديم " كما عودنا دائماً في ادائه كممثل صاحب موهبة عالية وفذة , ان يجعلنا هذه المرة ايضاً امام عمل فني يستحق المتابعة والتكريم بامتياز.


يتناول اليخاندرو قصة شاب اسباني رامون سامبيدرو, وكيف دفع نفسه لحادث ارتطام غامض برمال الساحل بعد ان كان البحر في حالة انحسار, مما ادى الى كسر عنقه واصابته بشلل انهى الحركة لديه باستثناء رأسه , ويظل يكافح لمدة 29عاماً امام المحاكم الاسبانية لإنتزاع تصريحٍ قانونيٍ يبيح له انهاء حياته المأساوية بكرامة , الا ان طلبه هذا يجابه بالرفض , مع كل المحاولات التي بذلتها منظمة حرية الموت بكرامة من خلال مندوبتها جينيه " كلارا سيغورا " وكذلك من خلال لقاءاته مع الاعلام الاسباني في حقه للانعتاق من جسده العاطل ميكانيكيا ً, لم يحصل في النهاية على التصريح القانوني من المحكمة لانهاء حياته كما يرغب أو كما تطلبه حالته الاستثنائية .

في حوار مع الـ بي بي سي يقول المخرج اليخاندرو : " لقد أدركت أنه من واجبنا أن نطلع الناس على هذه القصة، وكانت مشكلتي أن الأمر يدور حول مفاهيم مجردة، لذا تواردت إليّ أفكار جميلة حول مرحلة هذا الرجل وهو على حافة الموت، أفكار حول الحياة والحب، لكنني لم أجد سبيلي لصنع فيلمٍ، وبعد ذلك عرفت مدى قوة وتأثير الأحلام عند هذا الرجل فأدركت أنه أصبح لدي ما يُمكنني من صنع فيلمٍ سينمائيٍ بالفعل " . ومن هنا يمكن الافتراض اننا امام خيارات متعددة ومفتوحة في النظر للاسباب التي يريد رامون الموت من أجلها , ولا يمكن حصرها فقط بفكرة الفيلم العامة التي أكثر ما يحاول فيها المخرج نقلها الى الرأي العام والمؤسسات التشريعية والقانونية في اسبانيا خاصة , للنظر في هذه الحالة الانسانية واعطائها ما يناسبها كحل قانوني انساني يحتل فيها الحب والشفقة والتعقل مكانه مهمة لتحصيل قصد من هذا النوع , بل يتعدى الامر ذلك الى النظر لموضوع الموت كفكرة مرتبطة بشدة الحساسية والوعي وبرؤية شعرية وتأملية حول فلسفة الموت والحياة والموقف منهما حسب قوة المبررات وضعفها , وهناك اكثر من عنصر داخل الفيلم كلقطة او حوار يحيلنا الى هكذا نوع من الافكار المجردة احياناً والتفاعلية احياناً اخرى . فحديث رامون عن حقه في تقرير مصيره ككائن حي يتوقف على حريته هو بالاختيار وليس على القانون اوالدين كوصايا على حياة الانسان وجسده بالمعنى الالزامي , اذ الحياة من وجهة نظر سامبيدرو هي حق وليست واجباً كما تكشفه الحوارات داخل الفيلم , وفكرة من هذا النوع ليست مرتبطة كون رامون يعيش داخل جسد ميت , بل مرتبطة بالهم الانساني كسؤال جوهري وبشرط الحرية وماذا تعنيه في ظل قانون يحددها سواء كان قانوناً وضعياً ام قانوناً طبيعياً قهرياً , كالقهرية التي يولد فيها الانسان بدون ارادة واختيار منه ويكون مخاطباً بالحياة كتناقض لا يمكن احتماله , او لا معقول يصعب حله كما يقول البير كامو في اسطورة سيزيف , وحالة رامون الاستثنائية تجعل من مبررات وحساسية رفض الحياة اشد قسوة من مبررات الانسان الذي يعاني فقط من الحساسية المفرطة وعدم القدرة على احتمال تناقضات الحياة , كونه اي رامون يواجه التناقض والحقيقة بمسافة أقرب وأوضح وأعمق تاثيراً تجعل من رفضه للحياة أمراً مفروغاً منه وبديهية لا يمكن اضعافها او التغاضي عنها في سياق الفيلم لوجود متواليات أخرى تكشف هذا التجريد في النظر الى فكرة الموت والحياة كحقائق غير قابلة للتسويف والمجاملة .


قد يبدو من السياق العام للفيلم انه يتحدث عن فكرة محددة سلفاً , خصوصاً ان موضوع الفيلم هو قصة حقيقية جرت احداثها في اسبانيا عام 1969 , لكن حديث والد رامون عن الاسباب والطريقة التي دعت رامون يقفز الى البحر, تجعلنا امام لقطة غامضة لا تستقيم الا بمعالجتها كما بقية اللقطات وفق سياق الحساسية نفسه ومتابعة التجربة الحياتية له داخل هذا النسق , يقول الاب للمحامية جوليا التي جاءت من أجل تبني قضية رامون في المحاكم انه لا يعرف لماذا قفز ابنه الى البحر وهو في حالة انحسار, ولا يعرف بماذا كان يفكر, يقول : " انه لشيء محزن جداً , ان الله اراد له ان يعيش حياته " وحين ترد عليه المحامية " ولكنك تعلم انه لا يريد العيش " يجيبها الاب " ولكنه لم يخبرني عن اي شيء "! . وفي لقطة أخرى يقول الاب في اجتماع للاسرة مع مندوبة المؤسسة للدفاع عن حرية الموت بكرامة من أجل ذهاب رامون للمحكمة للنظر في طبيعة الاسباب التي يطلب من خلالها الموت , " ان رامون لديه رغبه بالموت اقوى من الموت نفسه " ! , وكذلك اثناء لقاء جوليا الاول معه في البيت لتسجيل مبرراته واقواله لنفس السبب اعلاه , تعيد عليه نفس تساؤلات الاب والاسباب التي جعلته يرمي بنفسه وهو خبير غوص , وانه كان ينبغي ان يحسب النتائج بشكل افضل , يجيب حينها :" لقد تم الهائي " ! هكذا حتى في لقطة العودة الى الماضي كان يتحسس رقبته من الخلف قبل البدء في عملية الطيران الى الاسفل .


تكشف هذه الحوارات الطريقة التي تناسبه للتفكير بالموت , مع انه من البديهي ان يفكر بالموت وهو في حالة عجز كهذه , ومن الانسانية والحب مساعدته في ذلك , لكننا سنكتشف انه كان يفكر بالموت حتى قبل ان يتعرض لحادث البحر , ومعظم مبرراته كان يسوقها حول معنى الحياة وإرادة الموت بالصيغة المجردة لا بالصيغة البديهية العامة التي عليها واجهة الفيلم , والتي يمكن ادراكها والتعاطف معها بسهولة , لهذا فالفيلم محاولة لفلسفة الموت والحياة كما أسلفنا وحرية الترجيح بينهما حسب طبيعة الوعي وقوة التأمل , والمبررات التي يقدمها لنا الفيلم باعتماد ما يتجاوز الفكرة الام " موت الاشفاق " الى ما هو اكثر غرابة وجدل منها , تجعلنا امام أسباب أخرى للموت مرتبطة بطبيعة رامون وتجربته الحياتية قبل وبعد الحادث , حيث يُعد عنصر الحساسية والوعي المفرط بمغادرة الحياة وهدرها , مفتاحاً مهماً للحديث عن طبيعة الذرائع التي يقدمها الانسان لمواجهة الموت والحياة معاً , وشعور كهذا يحصل عادة عند الشخصيات ذات الطبيعة اللامنتمية كما الشخصيات التي تناولها كولن ويلسون كشخصية الفنان فان كوخ وشخصية بطل رواية الجحيم لهنري باربوس ونيتشة وآخرين , واذا كان الفيلم لم يكشف لنا هذه التحولات الفلسفية والوجودية في حياته السابقة على الحادث , سيكون من المنطقي ان يعيشها بعده , وكل المقومات متوفرة فيه كطبيعة حالمة ومتأملة تملك من الوعي لوسم كتابه الشعري " متْ لتعيش .. رسائل من الجحيم " بعنوان يكشف ما يعتمر في مخيلته ونفسه من صراع حول ذاته ومصيره الانساني , فمن العناية القول ان رامون كان يفكر بالموت قبل ان يسجنه حادث البحر في جسد ميت كما ذكرنا سابقاً , خاصة وان المخرج لم يوضح لنا كفاية لماذا أراد رامون القفز الى البحر رغم علمه بالنتائج , فهل كان يريد الانتحار ؟ إنه من المناسب سحب موت سامبيدرو وأسبابه خارج سياقه البسيط والمكشوف والمتمحور حول موت الاشفاق مع أهمية وجمال الفكرة العامة داخل الفيلم , وانه توصل الى مستوى من الوضوح اصبحت فيه مبررات الموت اقوى من مبررات الحياة لديه , واذا كانت مبررات هدر الحياة بالموت اقوى من مبررات الابقاء عليها ماذا يمكن ان يكون عليه موقف الانسان في النهاية غير اخلاصه لوعيه وحساسيته اتجاه فكرة الحياة كفكرة بائسة لا تستحق ان تعاش من وجهة نظره ؟. ولا يمكن للانسان الصادق الا ان يمتثل ويخلص للصوت الحقيقي الذي يأتي من الداخل وللفكرة الاكثر رصانة وسحراً , من الفكرة التي تدفعه للبقاء رهين يأس غير خلاب . اننا امام رجل من الوضوح مع ذاته لا يمكن له ان يدير ظهره لحريته وحقه في القرار اي الاتجاهات يسلك ولماذا ؟ .


ان الموت يحضر بكليانيته كما الحياة بكليانيتها والحرية تفرض اي الاتجاهين نختار. رامون الشخصية الحالمة والمتأملة والاكثر جدلاً وسحراً داخل الفيلم , هو رامون الذي طلب الموت لانه يريده وينسجم مع مبرراته التي ضاعفها الحادث اكثر وجعلها أقوى , ولو طلب الموت كونه عاجزاً لاصبحت جميع مبرراته حول الموت سهلة وبلا قيمة فلسفية ومغايرة لشخصيته لانه يجعل موته سبباً للعجز , وهناك فرق كبير بين ان تعي الموت كخلاص وحرية وعودة الى التوازن , وبين ان تعيه كسبب لحادث طارئ فحسب .

فراشة على قميص روبن وليامز

مهند يعقوب

كل فناء لا يعطي بقاءً لا يعوّل عليه " محيي الدين بن عربي "

يحتل رمز الفراشة في الفكر الانساني الباطني والنقدي المدوَّن مكانة مميزة ومهمة منذ الحلم الذي أعترض الحكيم الصيني تشوانغ تسو في القرن الثالث قبل الميلاد , وكيف تحول تشوانغ تسو الى فراشة في ذلك السطوع الباهر وتحولت الفراشة الى تشوانغ تسو نفسه , مروراً بالاثر النثري الصوفي والمحاولات النقدية الاخلاقية والفلسفية , التي حاولت تفسير هذا الرمز وأعطاءه دلالاته الباطنية العميقة كعلاقة تحكم الكائنات الحية ذات النوع الواحد او مختلفة النوع فيزياوياً ووظيفياً , لتحولها كشيء واحد مرتبطاً ارتباطاً وجودياً دالاً " ان كل شيء هو كل شيء آخر " كالارتباط بين الاثر والمحيط , أو كالارتباط بين الصورة والمرآة .
نجحت السينما الى حد كبير في أعمال كثيرة تتضمن هذا المعنى الوجودي الصوفي العميق كعلاقة وَجدْ وتوحد في كثير من الاعمال , ليس برمز الفراشة تحديداً وانما بطاقة هذا الرمز كما في فيلم " متى يأتي حلمي " 1998 للمخرج " فنسنت وارد " بطولة الممثل الرائع "روبن وليامز", وفليم " المشي فوق السحاب" 1995 للمخرج "الفونسو أرو " بطولة الممثل المميز " كيانو ريفز" والممثل القدير "أنتوني كوين " وغيرها من الافلام السينمائية الباهرة ,ولا نريد هنا في هذي المحاولة المتواضعة للحديث عن رمز الفراشة ان نتعقب تأريخ تضمين السينما له ومتى بدأ تحديداً , أوالبحث في الاثر النثري الصوفي وتنوعه تأريخياً وما قيل من أراء نقدية وتطبيقات حول هذا الرمز , وأنما محاولة لتعقب بعض الاعمال السينمائية التي تتضمن هذا الرمز والاضاءة كدلالة عن العشق والوجد في العلاقات الانسانية , وتحقيق الهدوء الداخلي وطرق امتصاص الحياة والسعادة كهدف انساني سامي كما في فيلم ("باتش آدمز " والذي سيكون محور مقالتنا هذي في لقطة وحدث لا يتعدى حدود الدقائق المعدودة داخل الفيلم , لكنه يمثل الاضاءة الاكثر أهمية في رأيي , وهي لقطة موت الحبيبة ودخول رمز وعنصر الفراشة وانتقالها من الحقيبة الى ( القميص ) كدال على ارتباط وثيق وقديم بين الحبيبين وهو ما يطلبه ( باتش آمز) نفسه كاشارة وخاصية لحبيبته المفقودة بعتاب حاد وموجع مع السماء - كما ستناوله - التي بدورها تستجيب لوجعه وطلبه برمز يحتل مكانة مهمة وكثيفة في التراث الصوفي والفلسفي و بعض النظريات النقدية الحديثة .

تتمحور فكرة الفيلم حول مناهج التربية وطرق التفكير لعلاج مشكلات الانسان خارج سياق النظرة السائدة التي عليها المجتمعات والمؤسسات العلمية والتربوية , ليس فقط في أطار المشكلات التي يحاول الفيلم معالجتها من الناحية الصحية والنفسية , وأنما حتى من الناحية الساسية والفكرية والثقافية عموماً وبشكل غير مباشر , حيث تدور أحدات الفيلم حول شخصية تدرس الطب في احدى الجامعات الامريكية ضمن السياق العلمي الالي والجامد كمنهج في معالجة الامراض العضوية والنفسية للمجتمع والناس الذين يعانون من تلك الامراض الحادة والمستعصية ,لا يستطيع هذا الطالب تقبل هذه المناهج في النظرة لمشكلات الانسان الصحية وحصرها في اطار البحث العلمي والتجريبي وطرق معالجة المرضى بالادوية خارج المحمول العاطفي كعلاقة بين الطبيب والمريض , فيعمد على ان يسقط تجربته الشخصية في النظر للاشياء كعلاقة يحكمها بالدرجة الاساس العنصر العاطفي والانساني المحض كمحرك اولي في التعاطي مع المريض وقابليته على الاستجابة للعلاج كيميائياً , والصعود باستعداده النفسي الى مستوى الشعور بالسعادة , التي ينقص المنهج السائد , وينقص الكادر الطبي بالدرجة الاساس العمل عليها وتحقيقها , حيث يبدأ "روبن وليامز" بشخصية باتش آدمز داخل الفيلم الى بسط تصوره الجديد الساخرمن المنهج داخل الجامعة ومن طرق العلاج الجامدة والخالية من العنصر العاطفي كأجراء علاجي للمرضى مما دفع بمدير المستشفى وهو نفسه عميد قسم كلية الطب التي يدرس فيها الى تحذيره من الممارسات غير الرصينة التي يتعامل بها مع المرضى داخل المستشفى حسب وجهة نظره من قبيل اداء بعض الحركات البهلوانية لقسم الاطفال المصابين بالسرطان وتحويل اجهزة وادواة العلاج في المستشفى الى رموز مضحكة لادخال البهجة والسعادة الى نفوس الاطفال , وان لا يكرر هذه الاعمال الصبيانية لانها تتنافى مع الهدوء الذي يتطلبه الجو في المستشفى واللازم لعلاج المرضى واستجابتهم له , يستمر باتش آدمز بطرح افكاره الجديدة كطرق علاجية وتطبيقها على المرضى للحد الذي يصل مستوى الاستهجان والرفض لما يقوم به الى ان يهدده عميد الكلية بالطرد والفصل من الكلية ومنعه من التطبيق داخل المستشفى ويصل مستوى الاستهجان حتى على مستوى زملائه بالكلية حيث ترفض " مونيكا بوتر" - التي ستجمعها علاقة عاطفية باطنية عميقة مع باتش آدمز- تصرفاته الساخرة من المنهج وطرق العلاج لحد وصفه بالمهرج داخل الفيلم .
تبدأ افكار باتش آدمز بعد سلسلة من المواقف الحرجة والصدامية مع عميد الكلية وبعض الاطباء بالقبول وتحقيق نتائج ملموسة بالنسبة لبعض الكادر الطبي داخل المستشفى وبالنسبة لبعض الزملاء , وتبدأ " مونيكا بوتر" بالميل العاطفي " لباتشز آدمز " بعد ان تلمس الدفء والثقة الداخلية الحميمية التي تحكم شخصيته وانعكاساتها على سلوكياته اليومية وتأثيراته الشخصية عليها وعلى المرضى بدون فاصل بين ما يتطلبه العمل والدراسة , وبين سلوكه الانساني العادي , فتجمعهم علاقة حب يعمد المخرج الى اظهارها كدال مركزي داخل الفلم وكاشارة وأضاءة مهمة لها مدلولها الرمزي العميق حول طبيعة العلاقة التي تجمعمها , فبعد ان يصل مستوى الرفض لسلوكيات باتش أدمزالى الحد , يعمد المدير الى طرده خارج المستشفى ’ ويعمل هو على تحقيق طموحه المستقل لطرح افكاره خارج المؤسسة الرسمية ومن دون ترخيص أيضا وينجح لحد مثير باستقطاب المؤديدين لفكرته في لمعالجة المرضى , ومن ثم تتوالى الاحداث لتصل الى النقطة الاكثر اثارة وهي حادثة مقتل حبيبته على أيدي احد المرضى النفسيين الذين كانوا يترددون على المستشفى , وحينما يستقبل باتش آدمز خبر مقتل حبيبته يصاب باكثر من الدهشة والحزن , ينسحب أعمق داخل نفسه وتضطرب الفكرة الجوهرية التي اعتمد على تأصيلها منهجاً ونظرة لحياته الخاصة والعامة من خلال أنهيار ما هو أعمق من المنهج والنظرة وطريقة التفكير او ما هو مشتق منه اي المحرك , انه امام فقد ووجع ذاتي , انه يفقد الجسر الذي يعبر به الى نفسه والحياة وآلاخر, يفقد قيمته الوجودية وعلاقته بالمحيط كأثر يغذيه الوجد والعشق لحبيبته , فتنهار كل مشاريعه حول المنهج وطموحات التغيير التي كان يؤمن بها , وقبل ان يعمد الى العزلة يذهب الى المكان الذي اخذ حبيبته له , المكان الغيمة او البساط الاخضر, حاضن الحبيبة , والناس , والطريق لهم , وهو نفسه مكان المستشفى , بيت صغير متواضع على سفح الجبل يطل على منطقة ساحرة بطبيعتها , ويبدأ عتابه الحاد مع السماء , انه كان ينبغي ان تكون اكثر رحمة " انك خلقت الكون في ستة ايام فلِمَ لم تجعل اليوم السابع للشفقة " " ان كنت حقاً موجود أرني شيئا يخصها "
كان يبحث عن خلاصه في رمز هو ذاته وحبيبته ذاتها والكون والحياة ذاتهم انه يبحث عن رمز يعني الكل في واحد يعني " ان كل شيء هو كل شيء آخر " يبحث عن بقاء الوسائط نظيفة وسليمة ذات طاقة داخلية تعمل على نقل التجربة الانسانية والاقامة فيها , الوسائط الداخلية والباطنية التي تؤمِّن للشخص الارتباط بالآخر وتعبرعنه كعلاقات بدون حواجز وبدون أفكار زائدة عن أصل الفكرة وجوهرها الوجودي , فتستجيب السماء لانه يعرف ان هنالك حقيقة لهذا طلب المعنى ليستريح ويطمئن ويستمر في الحياة . والمخرج (توم شدياك ) في الحقيقة تقصّد بمهارة في هذا التحفة الفنية اظهار هذه الاضاءة واللقطة بحيث تبدو داخل النسق وداخل الفكرة المركزية للفيلم باستخدام اكثر الدلالات تعبيراً ومحركاً للحياة والكون , انها (الفراشة ) التي تعني التوحد والانسجام والاستغراق في النفس والاخر (الانا والـ هو) والتي كان ينتظر بطل الفلم سطوعها على حياته من جديد بعد تحديه للسماء في الفيلم , حيث يبهره حضورها الاكيد مبتدئة التنقل من حقيبته على الارض الى ( قميصه ) مستدركة كل المعاني التي اهتزت عنده بالفقد والوجع والخذلان , وتجميعها من جديد في ذاته القادرة ابتداءً على صناعة هدوئها الداخلي وشراكتها وانسجامها مع المحيط والاشياء برؤية الحقيقة والاستمرار بحياته من خلال نفس الرمز الذي أعاد آدمز من جديد للايمان بمشروع حياته الانساني في معالجة المرضى والنظر للاشياء والحياة انها كل منسجم واحد .
بهذا الاشتغال والموهبة العالية تكون السينما قد نجحت نجاحاً باهراً بهذه التضمينات العميقة , ومن ثم يكشف هذا القصد السينمائي داخل الفيلم ومن خلال لقطة ( الموت ) و ( الفراشة ) محاولة السينما نفسها ونجاح هذه المحاولات في الاستعارة والاضاءة او التطابق مع الخطابات النقدية الحديثة لرمز الفراشة , ونظريات علم النفس , ومع الاثر النثري الصوفي والباطني , وبعض اعمال الرسامين العالميين , وهي تشترك وتتفاعل وتسعى جميعاً للكشف عن طبيعة الذات الانسانية واشتغالاتها والمغذيات التي تتحكم في صياغة مشروعها الانساني , وتحدد طبيعة العلاقات التي تحكم الوجود والكون والكائنات عموما وتجعل من هذه التجربة الباطنية رمزاً للوجد والتوحد والانسجام والتناغم , وتجعل ايضا هذا الاشتغال قابلاً للتحقق والتأثير, تمثل الفراشة رمزه ومختصره ومعناه الكثيف والساطع .