السبت، 13 نوفمبر 2010

عن فيلم البدء وأوهام الترجيحات

مهند يعقوب


ليوناردو دي كابريو وإلين باج
يثير فيلم البدء او البداية Inception 2010 للمخرج كريستوفر نولن افكاراً وتفاصيلاً كثيرة ذات طابع غرائبي معقد تتصل بالفهم العام لمقاصده النهائية ، فهو ليس من الافلام الواقعية البسيطة التي يمكن فهمها وهضمها بسهولة ، ويحتاج الى أكثر من مشاهدة متأنية ودقيقة من أجل الامساك بفكرته الجوهرية فضلاً عن إجتراحه وفق المنطق التأويلي والجمالي والنقدي المتبع في قراءة ومتابعة الاعمال السينمائية التي بهذا الحجم والمستوى الفني والمعرفي العالي . اضافة الى ما تقدم فهو يحتاج كذلك الى معرفة كافية بمرجعياته المعرفية والفكرية إن وجدت ، وفي حال العكس عندها نكون امام خيال موضوعي صادم ينطوي على الكثير من الحيل ذات الطابع المعرفي والفكري والفلسفي ، وفي كلا الحالتين نحن امام عمل يستحق المتابعة والحديث بالمستوى الذي يليق وحجم اخراجه وتضميناته الفكرية والتقنية .

تأخذ الأحلام في متواليات الفيلم السردية والبصرية أبعاداً واسعة ومختلفة غير التي سعى الى كشفها فرويد عبر ثنائية الوعي واللاوعي في علم النفس التحليلي ، وكذلك التي تحدث عنها ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنسانية - الانشغال بالذات ، فالأحلام عند كريستوفر نولن وان كانت تولي اهتماماً بالغاً لفكرة اللاوعي عموماً وتحصيناته عند الفرد من أجل منع الاختراق او تحقيقه ، الا انها ليست أحلاماً من أجل التأويل والتفسير وانما أحلام من أجل القرصنة زرع او سرقة معلومات وأسرار، فالحديث عن أحلام نولن في فيلم البدء هو حديث في الآليات الغريبة المتبعة لصناعة ( أحلام مجازية ) ذات طبقة واحدة او متعددة الطبقات والدخول فيها لتحقيق ذلك الاختراق وليس حديثاً في ( النقد الحلمي ).

تركز اهتمام كريستوفر نولن على جملة من الافكار والتضمينات الفلسفية التي تشتمل على معنى جوهري كقيمة ( الفكرة ) وخطورتها وأثرها البالغ على وعي ولا وعي الأفراد والجماعات على حد سواء ، حيث تصل خطورة هذه ( الفكرة ) او ( الفيروس ) الى خلق واقع متخيّل يفوق بواقعيته الواقع نفسه ويهيمن عليه كهدف نهائي ، والاختراق اجمالاً يمكن ان يتم بوسائط متعددة يكون فيها وعي الانسان ولا وعيه في حالة دفاعات بسيطة وضعيفة ، كما يحدث ذلك في عمليات غسيل المخ ، وفي بعض الممارسات الدينية ، وممارسة الالعاب العقلية بين طرفين ، والجنس كذلك.

تسعى الاستراتيجيات العالمية على المستوى الاقتصادي وكذلك على المستوى السياسي والايديولوجي دائماً الى تحصينات هائلة عبر وسائلها الثقافية والفكرية والاعلامية تحديداً من أجل جعل الانسان عموماً هدفاً لتلك الاستراتيجيات وليس موضوعاً لها ، لكن هذه الصناعة تحاكي وتقابل الحالة الواعية للانسان والطريقة المثلى للاحتيال عليه ، وذلك عبر نسخ الواقع الى صورة مزيفة عنه يتم الترويج لها وتضخيمها وبالتالي جعلها الحقيقة التي يتمحور حولها الوجود الانساني برمته ، كما يحصل ذلك بالنسبة لاستهلاك السلع وتحقيق المتع وكذلك بالنسبة لمبررات شن الحروب وافتعال الازمات السياسية في العالم بحسب الفيلسوف الفرنسي ( جان بودريارد ) 1929 - 2007 .

ان الفكرة المتبعة في فيلم البدء وان كانت فكرة من نفس النمط لكنها من أجل تحقيق أهداف ذاتية نبيلة وانسانية وكذلك من أجل تحقيق أهداف اقتصادية ضد الاحتكار ( العالم بحاجة لان يغير روبرت فيشر تفكيره ) وفي كلا الحالتين يبقى الانسان هدفاً لتلك الاستراتيجيات من خلال اللاوعي هذه المرة وعن طريق الأحلام وتكون الأفكار هي اللاعب الرئيسي لتحقيق تلك الأهداف ، حيث يكاد يتفق جميع الفلاسفة والمشتغلين في الحقل السايكلوجي والانثربولوجي على ان الأفكار ومهما تكن بسيطة لديها القدرة على احداث التغيير والاستمالة والتوجيه سواء على المستوى الذاتي او على المستوى الجماعي للافراد ، والشيء الأكثر أهمية واحترافاً هو كيفية تحويل تلك الأفكار وان كانت ذات طابع عقلي مجرد الى عاطفة ، وهو ما تراهن عليه جميع القوى العالمية مثلما يراهن عليه كريستوفر نولن خاصة وان الامر مرتبط باللاوعي لديه مما يسهِّل عملية تحويل الفكرة التي ترتبط بتفكيك شركة ( فيشر ) التجارية داخل الفيلم الى عاطفة فعلاً لان ( اللاوعي تحركه العواطف وليس المنطق ) .

كان ( كوب ) ليوناردو ديكابريو الذي يعمل لحساب شركة كوبول للهندسة في مجال سرقة أسرار الشركات الأخرى المنافسة عن طريق اللاوعي والأحلام ، قد فشل في مهمته امام ( سايتو ) كن وتانابي لمعرفة هذا الاخير بتفاصيل اللعبة مما جعل ( كوب ) يكون عرضة للتهديد بالقتل من قبل الشركة التي يعمل لحسابها ، فتكون صيغة الاتفاق الجديد مع ( سايتو ) من أجل التخلص من هذا التهديد وتحقيق عودته الى اطفاله في امريكا الممنوع من الدخول اليها بسبب قضية جنائية تخص زوجته ، هي جعل الهدف ( روبيرت فيشر ) سيليان مورفي يسعى الى تفكيك امبراطورية أبيه الاقتصادية في مجال الطاقة بدلاً من الحفاظ عليها ، كونها الشركة الوحيدة التي تسيطر وتحتكر سوق الطاقة في العالم امام شركة ( سايتو ).

تتلخص الآلية المتبعة لتحقيق هذا الهدف في لا وعي ( فيشر) الأبن بمقترحات سردية ذكية ، يأتي المقترح من شخصية المنتحِل ( إيمز ) توم هاردي على شكل مغذيات إيحائية يتم توزيع كل إيحاء على طبقة محددة داخل الحلم . تأخذ الطبقة العليا من الحلم صيغة ( لن أتّبع مسيرة أبي ) ثم يليها الايحاء الآخر في الطبقة الثانية ( سأصنع عملي الخاص ) وفي الطبقة الدنيا او العميقة يأتي إيحاء ( أبي لا يريدني ان أكون مثله ). وفقاً لهذه المغذيات الثلاث تتحقق عملية الاختراق ويحصل القصد بالنهاية . وفي هذه الفكرة تحديداً يكون نولن قد استخدم تأويلاً فلسفياً ومحاكاة لفكرة فلسفية أخرى تعود الى الفيلسوف الفرنسي الآنف الذكر، وتبرز عبقرية هذا المخرج اضافة الى عنايته المركزة والفائقة بالجانب الفني والاخراجي والتقني للفيلم ، فهو ايضاً نقل الفكرة من حيز استخدامها في فضاء الوعي عند ( بودريارد ) الى حيز استخدامها في فضاء اللاوعي ، بمعنى آخر جعلنا أمام قيمتين محيرتين في التكافوء هما قيمة الواقع وقيمة الحلم ، وما سيترتب على ذلك من أثر في حال تم ترجيح احدهما على الآخر او تم إجراء مفاضلة فيما بينهما ، وبذلك تكتمل الفصول لدينا كمخاطبين جميعاً بفكرة ( الواقع المتخيّل ) او البديل ، في كلا العالمين ، وواقعين تحت تأثيره .

يرى بعض منظري ( الواقع الافتراضي ) * ان ما يتفرع عن الواقع بعد تصنيعه وتجريده من نفسه كمرجعية هو عبارة عن صور وممارسات مزيفة عنه على صعيد عالم الاتصالات واستهلاك السلع وتحقيق المتع ، فالناس تسعى لتحقيق المتعة والاستهلاك في هذا العالم المُصنّع بغض النظر عن القيمة المترتبة على ذلك من الناحية الاخلاقية والسياسية والاقتصادية ، وفي ذلك حسب وجهة نظرهم قتل لفكرة جوهرية اسمها الواقع الأصل او المرجعية وتنامي المتخيّل والمشبه به او المفرط بالواقعية ، وهي فكرة جانبت الكثير من الحقائق التي إتسم بها عصر ما بعد الحداثة واصطبغت به حياة المجتمع الغربي عموماً. 

ان الترجيحات - كقيمة وليس ترجيحاً مكانياً - بالنسبة لـ ( كوب ) بين الواقع المتمثل بعودته الى اطفاله  والواقع الافتراضي في الاحلام والذي تحضر فيه الزوجه المنتحرة كاسقاط ، ليست ذات مبررات عقلية قوية سوى ان الواقع يحتفظ له بطفلين مثلما الحلم يحتفظ له بزوجة يحبها حدّ الجنون ، وامكانية البقاء في عالم الحلم متوفرة وبالاسلوب الذي يساوي مقاصد الانسان في تحقيق المتعة والعيش بكثافة وسحر اكثر، وهو ما دفع مجموعة صانعي المتاهات وزرع الافكار يدخلون اللعبة برغبة اكثر من رغبة الحصول على المال والبقاء في الواقع . ان الزوجة والاطفال ليسوا مبررات عقلية كافية لخوض عملية الترجيح والمفاضلة واذا كان عنصر الحب يتحكم في هذه المعادلة فالحب نفسه يتوزع بين عالمين متناقضين من حيث طبيعة الوجود فيهما ، فلماذا اختار( كوب ) عالم الاطفال ولم يختر عالم الزوجة والحبيبة ؟ .

كانت ثيمة أصالة الواقع هي الفكرة المسيطرة ايضاً على ( كوب ) من خارج الفيلم ومخترق بها من نفسه مما دفعته لترجيحها على البقاء في دائرة الاحلام التي تفوق بإغرائها الواقع بمجمل التفاصيل ، ورغم ان حالة كهذه لا يمكن حسمها وفق منطق الواقع واللاواقع والاختلاف فيما بينهما فقط ، بل تعود بالحسم لعنصرالايمان على وجه الخصوصً وليس لوجود فارق على مستوى الشرف بالرتبة بين العالمين ، لاننا معبأون بفكرة ان الواقع الفيزيائي هو ما يغطي طموحنا في الوجود حتى وان كان هذا الواقع أقل درجةً مما نريد الوصول اليه والاقامة فيه ، وهذا ما يفسر نزوحنا جميعاً عكس إتجاه وقوع الموت مثلاً ، وكذلك نزوحنا عكس إتجاه سير الأحلام ونريد ان يحضر ما يشتمل عليه اي عالم آخر من الجمال والسحر الى عالمنا الفيزيائي ، فنحن مخترقون سلفاً بفكرة رجحان أصالة الواقع على اية فرضية اخرى مثلما هو الحال مع بطل البدء ، والايمان هو ما يجعل عملية الترجيح قائمة ومقبولة لدينا ولا يوجد مبرر منطقي يمنع ترجيح عالم الحبيبة على عالم الاطفال ، اي ترجيح عالم الحلم والافتراض على عالم الواقع ، وبالتالي لا يمكن التخلص من الوقوع بالوهم بالنسبة لنا جميعاَ .


* يعود هذا المفهوم للفيلسوف الفرنسي ( جان بودريارد ) ، وهو دلالة على ثقافة ما بعد الحداثة في أوربا ، ومؤشرعلى طبيعة الحياة الغربية المعاصرة ودرجة تأثر المجتمع بتصنيع الواقع المُعاش على كافة المستويات وتحويله الى نسخة مشابه بل اكثر واقعية من الواقع نفسه مما يجعل التمييز بينه وبين الواقع الحقيقي امراً صعباً للغاية .


الخميس، 11 نوفمبر 2010

قصائد

رعد زامل

إنقذوا أسماكنا من الغرق

ليس لي سوى
أملٍ بسيط
تحتضنه دجاجة الماء
منذ ربع قرن
غداً ....
يفقس أملي هذا
ربما يصبح شجرة
أو
قنبلة هناك
في القرى الأسنُة
القرى التي
تنام على القصب
ثمة ما يثير الأمل
فنحلم أن نعيش كالبرمائيات
تحت المياه
وفوق المياه
ومن أجل المياه
ومع ذلك
هناك ما يدعو
إلى إنتظار كودو
أو مبعوثه الشخصي
لإنقاذ
أسماكنا
من الغرق .

وصية

بالسكين ذاتها
السكين التي
سالَ لعابُها
على جسدِ التفاح
سأقطعُ أذيال خيبتي
وأقف طويلاً على المنابر
مفلساً كعادتي
ومفلساً كفمٍ يخلو من الشتيمة
وكي لا أموت
إلا وأنا موصٍ بينكم هكذا
فحصاني لعبد الأمير جرص
شرط أن يصل
إلى عروة أبن الورد
وقميصي لعبد الرزاق عبد الوهاب
شرط أن
لا يقطف الوردة من القميص
أما قصائدي
فأنفقوها
على ربة الشعر
وأطفال الجنوب .

من دفتر الجوع والعائلة

رغم إن أبي
كان قبطاناً بارعاً
وأمي تنشر عبائتها
مع الرياح
وأخوتي يجذفون بأيديهم
فقد غرقت العائلة
ليس لأن البحر
كان غاضباً
ولكن جيراننا
جميعهم  قراصنة.



 
 

الجمعة، 15 أكتوبر 2010

ضمن مجموعة - إنقذوا أسماكنا من الغرق

رعد زامل

         
(1)

رعـد زامـل
كانت هناك شجرة
تماماً على
هذا الرصيف
وهذه بعض دمائها
فالبرابرة
وعلى رأسهم ذلك الأبله الخريف
كلما اقتحموا قريتي
حملوا أشجارها كالغنائم
وتركوا
شاعرها
يترقب كطفل
طفل إغرورقت عيناه
بالأسئلة والدموع.

(2)
         
أنا البائس القروي
أنا المحاط بالسكاكين
أرى كل ذلك
فلا أحرك ساكناً
ولا أحفر خندقاً
حول نفسي.

      
(3)

هكذا يموت الشاعر
ثم لا أحد يندبه
سوى الفراشات
لا سيما
تلك الفراشة
التي همت به
وهم بها
ثم تركها عذراء
تتسكع دونه في الحديقة.

        
 (4)

أتحدث آلآن من قبري
أطلق ضحكة مدوية
كلما تذكرت أبي
وهو يرميني من النافذة.      

      
(5)

أين أنت يا أمي ؟
تعالي قبل ان أصبح أصلع الذاكرة
تعالي واحملي تحياتي الباردة الى الاب
قولي له
انني لم أكن أسود السريرة .

        
 (6)

هذه العظام الرقيقة
لأخي الطفل
الذي ألقاه الفرعون
في اليم.
هذه الجمجمة
لجدي ألأكبر
الذي قرر ان يموت
كقرد في حديقة الحيوان
بعد ان سقط من شجرة العائلة.
هذه اليد المبتورة
لأخي الأوسط
التي فقدها
قبل ان يرفع بوجههم
إصبع اتهام.









الأحد، 10 أكتوبر 2010

الدراما العراقية وغياب البطل النوعي

مُهنَّد يعقوب

إجراء مقارنة بين الدراما العالمية ( سينما / تلفزيون ) من جهة ، والدراما العربية وخاصة العراقية منها من جهة أخرى ، هو إجحاف بحق الاثنين معاً ، سواء على مستوى الموضوع او التمثيل او الاخراج او على المستوى التقني والفني . وهي بالضرورة أي المقارنة حديث من العالي الى الداني ، لكن لا يمنع ان يتوفر عنصر الطموح لدى صانعي الدراما وفق الميلاد القديم بالتنافس مع المساوي لهم في المحيط وكذلك المباين لهم في الخارج . وبالتالي فالحديث عن صناعة الدراما عالمياً وفرقه عن صناعتها محلياً هو حديث في التقدم والتأخر على كافة المستويات وأهمها الفنون والآداب ، وهو كذلك حديث بالمغذيات الثقافية والفكرية والفلسفية وإختلافها ، وما له من إنعكاس على طبيعة الأعمال الفنية المُقدمة ، فالمغذيات هي المسؤولة عن تحديد مستوى الاخفاقات والنجاحات في أي عمل كان.

في تاريخ الدراما العراقية يكاد يحضر كل ما يساوي طريقة تفكير المجتمع نفسه من الناحية الاجتماعية والسياسية والثقافية ، ويغيب في هذه المحاكاة الواقعية الهزيلة عنصر البطل النوعي والرؤية النوعية، ونعني بالبطل النوعي تلك الشخصية التي تفكر وتطرح قضايا المجتمع بوعي مختلف وطريقة تفكير مختلفة وبلغة مختلفة ايضاً . بمعنى آخر نقلْ المفكر او الفنان الحقيقي كمُنتج ورؤية وخطاب الى فضاء السرد والصورة والحركة في السينما والتلفزيون كبطل وممثلين وأحداث.

إنعدام هذا العنصر يعني بدوره إنعدام الخطاب الثقافي الرسمي عن مجمل التجربة الدرامية في العراق ، فيصبح لدينا في النهاية والحال كذلك تجربة تغذي نفسها من نفس مسائل الهشاشة الثقافية التي عليها المجتمع ، ومن نفس الادوات في طريقة العيش والتعبير لديه ، وبذلك يتحول الخطاب الثقافي الناضج ، والخطاب المعرفي الذي تنتجه المؤسسات العلمية والتربوية الى خطاب يقيم في الهامش او يتم إنتزاعه بعد نهاية الدوام الرسمي بالنسبة لتلك المؤسسات .

إستمر التلفزيون العراقي وخصوصاً المتصل بالسلطة السياسية لفترات طويلة يستثمر بالواقع المحلي المتخلف ويستعير وعيه ولغته وكل ما يتصل به من تفاصيل ، ومثله السينما باستثناء بعض الاعمال ، وصار الاثنان أي تخلف المجتمع ومؤسسات صناعة الدراما وكتّابها في حالة تخادم مدروس بعناية مرة بقصدية سياسية ، ومرة لجهل منتجي الخطاب الاعلامي والثقافي الهش أنفسهم بضرورات العمل على تأصيل وجهة النظر المغيبة او المنفصلة عن الحياة التي ندعوها الثقافة النقدية والفنية العميقة ، فصار لدينا مشاهد يحصل على ما يساويه في الحدث والصورة وطريقة التفكير، ووسائل الاعلام المرئية تعمل على استمالة مستهلكين اكثر لسلعتها الثقافية والفنية المزيفة .

حينما يكون وعي الشارع الركيك هو الواجهة في اي مجتمع ودولة مؤكد ينطوي الامرعلى مفارقة ثقافية كبيرة. ففي العراق ليس فقط السياسي ذو المواهب المعدومة يتحكم ويستحوذ على المثقف ضمن جدلية السياسي والمثقف ، وانما ايضاً وعي الشارع يتحكم ويستحوذ على المثقف نفسه وفي كلا الحالتين لدينا مثقف مهدور الصفة والدور.

اذاً فالشيء الجوهري الذي يَغيب عن صناعة الدراما التلفزيونية والسينمائية في العراق ويعد أبرز إخفاقاتها هو رؤية البطل النوعي وطريقة تفكيره الصادمة والطاردة لمسائل الهشاشة الثقافية التي يحتضنها المجتمع منذ قرون كما لو كان يحتضن بيضة لطائر منقرض.

إن غياب هذه الحقيقة عن الدراما السينمائية والتلفزيونية يعطي فرصاً كاملة لحضور ما هو أقل منها على مستوى الرؤية ، أي حضور الشخصية التي تكون مناسبات إنعدام التفكير الجاد والرصين لديها كثيرة. ولا يوجد أسهل بالنسبة لمنتجي الدراما من الاتيان بشخصية الجنوبي المبالغ جداً في كاريكاتيريته لتكون علامة على حياة الاعمال واستمرارها وعلامة على الواقع، ولا نعرف حقيقةً لحد هذه اللحظة المناسبة الفنية والنقدية التي من أجلها يتم التعامل مع الشخصية الجنوبية كصناعة كارتونية ركيكة لهذا الحد ؟ حيث نكون دائماً وبدون أدنى مناسبة داخلة في ضرورات النص الدرامي ، أمام نموذج غير مسؤول عما يقوم به سواء على نحو يومياته العادية او في سياق خوض التجارب الهامة ، فترى الشخصية كما لو انها شخصية (عبيطة) نسبة (الخبل) لديها عالية ولا يختلف الامر ان كانت هذه الشخصية في سياق عمل كوميدي او تراجيدي ممّا يعكس صورة سلبية وهزيلة عن الشخصية الجنوبية بكل محمولاتها المتعلقة بالكاريزما والتي منها اللهجة . وهذا الامر يكاد يكون ملمح أساسي في الدراما العراقية، قد لا يحتوي على قصديّة سيئة لكنه يعكس بالضرورة إنعدام الحرفية لدى المهتمين في هذا الشأن ، لانه لا يمكن تعقل ان صورة الجنوبي لا تكتمل الا على هذا النحو الهزيل على مستويات متعددة ، ونتناسى ان الجنوب والجنوبي فيه من المقومات كشخصيات ووعي ، تجعله مركزية فنية وثقافية على مستوى المناخ الثقافي والفني العراقي عموماً. ولا نتحدث هنا لإثراء البعد المناطقي على مستوى الفكرة، لكن ينبغي على أقل تقدير ومن أجل إنجاح أي عمل درامي ان تكتمل العناصر الفنية والدرامية على نحو تعكس قصديّة واضحة في صياغة ونحت الشخصية سواء كانت شخصية خارجة من الريف او من المدينة وسواء كانت شخصية جنوبية او من الوسط او من الشمال. وبالتالي فالسؤال الجوهري والمهم الذي ينبغي ان نطرحه من خلال هذه التضمين الاخير هو ، ما الذي يمنع شخصية البطل في العمل الدرامي من ان يقوم بدور الفنان والمعرفي والناقد ، كنص ، وشخصية ، وتفاصيل ؟ لماذا لا يفكر الممثل العراقي في التلفزيون والسينما ؟ لماذا لا يحضر الكتاب والصف المدرسي ، ولاتحضر اللوحة والآلة الموسيقية في تلك الاعمال ؟ ولا نقصد هنا حضور هذه التضمينات كصور وديكور وإنما كرؤية وخطاب معرفي وفني ونقدي خالص. كما يحصل ذلك في السينما العالمية والعناوين التي تضمنت البعد الفلسفي والمعرفي والشعري الخالص في تلك التجارب كثيرة.

محلياً نحن أمام أعمال أغلب شخصياتها لا تفكر ولا تنتج رؤية تساهم في إثراء الواقع وإستعادة الخطاب المغيب ثقافياً وفكرياً الى مكانه الصحيح . مثلما يتوفر لدينا واقع مترد على المستوى الاجتماعي والثقافي ، يتوفر كذلك خطاب ورؤية أخرى متمثلة بالمُبعَد والهامشي في الادب والفن والثقافة العراقية النقدية الحقيقية . والأسباب التي أدت الى ان يتصاعد فيها الخطاب الركيك على حساب الخطاب النقدي الحقيقي تعود الى أزمة جوهرية في العقل العراقي الشعبي والرسمي معاً ، إنعكس سلباً على أداء هذه العقل ونتاجاته الفنية والثقافية ، ومن أهم هذه الأسباب هو هجران الخطاب المعرفي والثقافي نفسه الذي إعتمد الاتصال والتأثر بالحركة الفلسفية والثقافية العالمية في عموم التجارب وأبرزها الأدب والفن . ساعد العامل السياسي وعامل الحروب والازمات كذلك على إتساع واقع الهجران والفصل هذا ، فيما بقيت مسائل الهشاشة الثقافية وإنعدام الذوق النقدي هي المتأصلة والسائدة في المجتمع والمؤسسات الثقافية الرسمية.

وفقاً لما تقدم ليس أدلّ على إخفاقات الدراما العراقية غير سعيها الدائم لتكرار وإسترجاع نفس المواضيع المحصورة في الجانب التاريخي والجغرافي السياسي للعراق والمنطقة ، اما جانب الموضوعات الخالصة كفلسفة الحب ، وفلسفة الموت ، ونقد الدين والمعرفة والآداب والفنون عموماً ، فلا تكاد تحضرالا في سياق مغامراتي محصور وضيق جداً يقتصر على بعض الاعمال السينمائية الجديدة ، والحال كذلك فيما يخص الدراما التلفزيونية فالأمر لا يختلف سوءاً من حيث إشتقاق ومعالجة المواضيع فيها خصوصاً المتصلة بالواقع المعاش وطبيعة الشخصيات ، حيث لم يتم وفي معظم الاعمال معالجتها كمادة خام معالجة نقدية وثقافية رصينة فنياً ، كما هو الحال في صناعة الشخصيات والاحداث في الرواية والقصة العالميتين ، وإنما بقت هذه الشخصيات والاحداث على إخفاقاتها المساوية لإخفاقات وعي الشارع ذاته ، بدون أية معالجة ومن ثم زجها في أعمال أطلق عليها فيما بعد أعمالاً درامية واقعية !. فالاختلاف بالنهاية بين الاثنين أي وعي الشارع ووعي صانعي الدراما هو إختلاف فقط في الأدوات والعناصر والتسمية والاسلوب ، بمعنى آخر الاختلاف بين وعي الكاتب ووعي الشارع هو إختلاف شكلي ، ولكن تبقى الفكرة واحدة ، الشارع بكل ذوقه الردئ يحكم عقل المؤسسة ويقيم فيها .