مهنّد يعقوب

مهنّد يعقوب
الطريق
التي رأيتُها البارحة كنتُ قد مشيتها بصحبة
فتاتين يغطيهما رداء أسود . لم
يسبق لي أن رأيتهما من قبل، بل لم يسبق لي
أن رأيت نفسي
كذلك. لقد
خطونا فجأة الى الحياة عبر الفراغ من الجانب، عبرنا الساقية دون أن يكلّم
أحدنا الآخر أو يعبأ بخطواته. كانت
ساقية في منحدر وعليها معبر خشبي نحيف
بطابقين . لا أعرف لِمَ يوجد معبر خشبي
بطابقين أحدهما يبعد عن الآخر مسافة تكفي
لترك سؤال !، مثلما لا أعرف ما الذي ستعنيه
حياتي مستقبلاً أكثر من انها
شبكة أنابيب عملاقة محشوة بالصراخ والمشاكل
وعليّ الاستمرار بداخلها حتى النهاية. اختفت الفتاتان للحظات وأنا أعبر المنحدر الى
القرية ولم أجد الأمر مقنعاً بالرجوع . لقد عاودت إحداهن الظهور وهي عارية تماماً
وحزينة تركض باتجاه الساقية. تابعت
سيري نحو شيء غريب سيحدث، شيء يشدني لشخص
ما لا يشبه احداً من
الذين أعرفهم أو سبق لي أن رأيته في أي فيلم سينمائي. شخص
من النوع الذي تناط به مهام ليست سهلة مثل
الصمت لفترات طويلة او الموت. شخص
إما أن يقودك الى الشقاء أو الخلاص ولا
تجد طريقة للتخلص من مرافقته لا بالكراهية
ولا بالحب. أنت
منقاد له بفعل الغموض والحنين ، واختيارك
أن تسبح الى جانبه في الحياة اختيار غريزي
لتمنع عنه ضواري الماء بعصيهم ومعاولهم
وصرخاتهم المتوحشة.
لم
يكن
يحمل اسماً
ولم يناده أحد بصفة أو لقب ،
هو شخص غير مسمّى
. يقول عنه أهل القرية أشياءَ مبهمة وأنه
ذات مرة تحدث الى الناس وأخبرهم أنه
على إستعداد لأن يموت بالنيابة عن أي شيء
يحدث حتى وإن كان ذلك الشيء"
أثر
فراشة". كان
أزرق
ونحيفاً لا تستطيع أن لا تمدّ إليه النظر
،
وله
قريب يكبره سناً في الأربعينات رأيته مرة
ونحن نصعد في أحد الباصات الصغيرة
والمتهالكة في القرية، همس له بكلمات لم
تكن نهاياتها واضحة
كان يبدو عليه الإرتياح، ثم اختفى
فجأة مع تلك السعادة. عرفتُ أنني سأرى كل شيء بمنتهى الحدود والملامح
مثلما
رأيت عري المرأة، وأني
في مهمّة
قاسية كانت قد بدأت للتو. يركض الناس باتجاه الشخص غير المسمّى وهم يجلدون كلّ شيء بصراخهم المتعالي،
وهو يركض نحو المنحدر بملابسه الرثة وأنفاسه
المحترقة، وأنا
بينهما أرى كلّ
شيء ، ولا أستطيع إيقاف مجرى الهلع والدّم
، الذي أريق على جانبي الساقية.
![]() |
| مهنّد يعقوب |

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق